مكتبات شنقيط الأهلية: ذاكرة ورقية تقاوم الرمل والزمن
عائلات شنقيطية تتوارث منذ قرون مخطوطات نادرة في الفقه والفلك واللغة، وتبحث اليوم عن توازن دقيق بين واجب الحفظ وحق الإتاحة.
في أزقة شنقيط العتيقة، خلف أبواب خشبية لا توحي بما وراءها، ترقد واحدة من أثمن الذاكرات المكتوبة في غرب إفريقيا: مكتبات أهلية تتوارثها العائلات منذ قرون، تضم مخطوطات في الفقه والفلك والطب واللغة والرحلات.
وقد جعلت هذه الخزائن من المدينة محطة معرفية على دروب القوافل، يقصدها طلاب العلم من أنحاء الصحراء. واليوم، يواصل أحفاد النسّاخ الأوائل المهمة نفسها بوسائل العصر: فهرسة، وترميم، ورقمنة تدريجية للنفائس الأكثر هشاشة.
بين الرقمنة والمجاورة
تتيح الرقمنة إنقاذ النصوص من التلف ومشاركة نسخها مع الباحثين عبر العالم، لكنها تطرح أسئلة جديدة: من يملك الصورة الرقمية؟ وكيف تستفيد العائلات الحارسة من تثمين تراثها؟ وكيف نحفظ سياق المخطوط لا نصه فقط؟
«نحن لا نحرس ورقاً قديماً؛ نحرس صلة حية بين أجيال كتبت وقرأت وعلّمت في هذا المكان نفسه.»
— حافظ مكتبة أهلية في شنقيط
ويبقى التحدي المادي قائماً: زحف الرمال، وتقلبات المناخ، وكلفة الترميم المتخصص. وهي تحديات تتجاوز قدرة العائلات منفردة، وتستدعي شراكات طويلة النفس بين الدولة والجامعات والمنظمات المهتمة بالتراث المكتوب.
وبين يدي هذا الإرث، تبدو شنقيط أكثر من مدينة قديمة: إنها درس متجدد في معنى أن تكون الثقافة مشروعاً عائلياً وجماعياً عابراً للقرون.